هشام جعيط
286
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
الآخر أي إلى الجبانات والصحارى والأفنية والرحبة والسكك ذاتها ، التي حفظت للمدينة بنية منفتحة فسيحة بعيدة كل البعد عن صورة المدينة الإسلامية في العصور الكلاسيكية وما بعد الكلاسيكية ( القرن 3 - القرن 8 ه ) . الواقع أن الاستمرارية تظهر في أغلب المنظر المدني وأغلب علاماته . فعند مطالعة الروايات الخاصة بزيد بن علي ، تعود بنا الذاكرة إلى أماكن عهدناها هي جبانة سالم ، والصائديين أو الصوداويين ( من أسد ) ، والكناسة ، والجبانة ، وجبانة مخنف ، وجبانة كندة ، واستمرت الدور القديمة قائمة وهي تحمل أسماء مؤسسيها : دار خالد بن عرفطة ، ودار عمرو بن حريث ، ودار عمر بن سعد . وكلها تعيد إلى الأذهان أن عصر الإنشاء والتشييد الحقيقي هو عصر جيل الفتح ومن جاء بعده ، وهم الذين طبعوا بطابعهم أسماء المكان . لكن السلالات تبقى وتستمر لدى الأشراف ، وهذا ما يفسر أن الدور حافظت على وظيفتها الأولى ، باستثناء دار الوليد بن عقبة ، التي تحولت إلى دار للقصارين « 1 » . لم يخل الأمر من إضافات وابتكارات كبناء الأسواق ، والقنطرة ومصلّى خالد ، وكنيسة أم خالد ، ودور سوق الرقيق الذي صارت تقوم به دار الرزق ، وتأكيد الوظيفة التجارية والثقافية للكناسة . وتزايد عدد الحمامات ، وتطوّرت المناطق المجاورة ، وزاد الارتباط بالحيرة بصفة واضحة . إن هذه المنشآت والأدوار الجديدة طبيعية في مدينة فتية لم تنه بعد تشييدها الذاتي ، ضمن حضارة جديدة تتشعب ، وتدقق معرفتها لحاجاتها ، وتستوعب التأثيرات الخارجية . لكنها ابتكارات أملتها أيضا التغييرات الحديثة . 1 ) بناء خالد القسري للأسواق : أقيمت الأسواق في الكوفة منذ البداية ، كما هو معلوم ، في كامل الجانب الشرقي من المساحة المركزية مستقلة عن المسجد . والأسواق من عطاءات الحضارة العربية الأكثر تميزا ، حيث أن الأسواق الدورية كانت من أسمى مواضع الحيوية الاجتماعية والثقافية العربية . لقد جدد عمر القاعدة لتنظيم الأسواق ، فقرر أن المكان يعود لمن يحتله أول مرة : « الأسواق على سنة المساجد . من سبق إلى مقعد فهو له ، حتى يقوم منه إلى بيته أو يفرغ من بيعه » . هذا أمر يناقض ثبات نقط البيع وتخصص الأسواق . على أنه تمّ لاحقا تحديد في تطبيق هذه القاعدة وقصرها على المساحات المخصصة من السوق حيث نرى ظهور التميّز من زمن ولاية زياد بالبصرة . فقد تحدث صاحب أنساب الأشراف عن « سوق الطعام » أي سوق
--> ( 1 ) ربما في عصر العباسيين .